مجموعة مؤلفين
27
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
ابن عربى ، هي الذات والصفات والأسماء . ويعرّف الصفة إطلاقا بأنها « ما يبلّغك حالة الموصوف ، أي ما يوصل إلى فهم معرفة حالة » « 1 » يعنى أنها الشئ الذي يفيدك العلم بالموصوف . وهو يرى أن التفرقة بين الصفات والحقائق التي تقع عليها لا تصدق إلا في عالم الظواهر ، لأن الصفة غير الموصوف في هذا العالم . أما في عالم الحقيقة ، أو عالم الباطن فلا غيرية هناك . فالذات الإلهية - أو الوجود المطلق - عين الصفات الإلهية . ولما كان العالم ليس شيئا آخر سوى الصفات الإلهية متجلية في مظاهر خاصة ، أمكننا أن نقول إن الذات الإلهية والعالم شئ واحد ، أو أن الحق هو الخلق . ولا يتردد الجيلى في أن ينسب إلى العالم الخارجي وجودا حقيقيا ، وإن كان يقول إنه بالنسبة إلى الحق كالقشرة بالنسبة إلى اللب . أما الذات الإلهية ( أو الوجود المطلق : أو الوجود المحض ) فهي عالم الغيب ، « لا تدرك بمفهوم عبارة ، ولا تفهم بمعلوم إشارة ، لأن الشئ إنما يفهم بما يناسبه فيطابقه ، أو بما ينافيه فيضاده ، وليس لذاته ( تعالى ) في وجود مناسب أو مطابق ، ولا مناف ولا مضاد . . . ولكن الذات هي الشئ الذي استحق الأسماء والصفات بهويته ، فيتصور بكل صورة يقتضيها منه كل معنى فيه » « 2 » . فإذا حلّق العقل في فضاء « الذات » لم يظفر بشئ ، ولكنه إذا اخترق حجب الأسماء والصفات ، ونظر في الوجود الظاهر الذي هو وجود المخلوقات ، أدرك أن الحقيقة جوهر يحتوى جميع المتناقضات : فهي أزلية أبدية ، حق وخلق ، قديمة وحادثة ، رب وعبد ، ظاهر وباطن ، واجب وممكن ، مفقودة وموجوده ، ثابتة ومنفية ، وغير ذلك من المتناقضات . ولكن هذه الثنوية إنما هي في الحقيقة ثنوية في الاعتبار - أو في وجهة نظرنا إلى الوجود - لا في الوجود ذاته : أي أنها لا تشير إلى موجودين مختلفين ، وإنما تشير
--> ( 1 ) الإنسان الكامل ، ص 20 ( 2 ) الإنسان الكامل ، ص 13